أخبار

في ذكرى الاستقلال “1”..تفاصيل أول ثلاث رحلات طيران بالسودان وأول ثلاث مطارات بالخرطوم

كتب:إبراهيم عدلان
مقدمة
مع اقتراب السودان من إحياء الذكرى السبعين لاستقلاله (1956–2026)، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة تاريخ بناء الدولة الحديثة من زاوية مؤسساتها السيادية. فالاستقلال لم يكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل كان ثمرة مسار طويل من التراكم الإداري والفني، سبق لحظة رفع العلم بسنوات طويلة.
ويأتي الطيران المدني في قلب هذا المسار، بوصفه أحد أكثر القطاعات تعبيرًا عن السيادة الحديثة. فالتحكم في المجال الجوي، وتنظيم الملاحة، وربط أطراف البلاد الشاسعة، لم تكن مجرد خدمات نقل، بل أدوات دولة ومعايير اعتراف دولي. ومن ثم فإن توثيق نشأة الطيران المدني في السودان هو توثيق لجزء أصيل من تاريخ الدولة نفسها.
الرحلات الثلاث الأولى عبر وادي النيل: فتح الباب مشرعًا
قبل أن يصبح الطيران المدني نشاطًا منظمًا، شهد السودان ثلاث رحلات مفصلية مبكرة عبر وادي النيل، شكّلت مجتمعةً الاختراق الحقيقي الأول للأجواء السودانية، وفتحت الباب أمام التفكير الجاد في الطيران كوسيلة نقل وإدارة، لا كحدث استعراضي عابر.
1. رحلة فاضل بك (1914)
مثّلت رحلة الطيار العثماني فاضل بك بطائرته بليريو XI أول حضور فعلي لطائرة في سماء الخرطوم. وعلى الرغم من طابعها الرمزي والسياسي المرتبط بالإمبراطورية العثمانية، فإنها كانت الشرارة الأولى التي عرّفت السودان بالطيران، وأثبتت إمكان عبور المسافات الطويلة فوق وادي النيل.
2. رحلة مارك بورب (1914)
جاءت رحلة الطيار الفرنسي مارك بورب من القاهرة إلى الخرطوم بعد ذلك بقليل، لكنها حملت طابعًا مختلفًا؛ إذ ارتبطت بنقل البريد واختبار الطيران المنتظم. هذه الرحلة هي التي نقلت الطيران من الرمز إلى الوظيفة، وأظهرت أن السودان يمكن إدماجه في شبكات اتصال جوية حقيقية.
3. رحلات العبور البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بدأت رحلات بريطانية تجريبية لعبور وادي النيل وربط مصر بشرق ووسط أفريقيا، وكان السودان – والخرطوم تحديدًا – نقطة ارتكاز لا غنى عنها. culminated لاحقًا في الرحلة الشهيرة للكابتن آلن كوبهام إلى جنوب أفريقيا مرورًا بالخرطوم، مؤكدة أن السودان ليس محطة طارئة، بل عقدة جغرافية جوية.
هذه الرحلات الثلاث، مجتمعة، فتحت الباب مشرعًا أمام الانتقال من الطيران الاستكشافي إلى التفكير المؤسسي في المطارات، والتنظيم، والإدارة المدنية للطيران.
النشأة الإدارية: من Aviation Desk إلى قسم مستقل
في بدايات الأربعينيات، أُنشئ مكتب صغير ملحق بالسكرتارية الإدارية عُرف باسم Aviation Desk، وتبع ماليًا لسكك حديد السودان، في انعكاس لطبيعة المرحلة التي كانت ترى الطيران امتدادًا لوسائط النقل القائمة.
وفي عام 1942، جرى تحويل هذا المكتب إلى قسم مستقل، أُنيطت به مهام تنظيم الحركة الجوية، الإشراف على المطارات، والتنسيق مع الجهات العسكرية والبريدية، في خطوة تمهيدية لتأسيس سلطة الطيران المدني السودانية لاحقًا.
مطارات الخرطوم: من البدايات المؤقتة إلى المطار الحديث
تطورت مطارات الخرطوم على مراحل متعاقبة، عكست نمو الطيران المدني نفسه:
• مطار الخرطوم الاول – الشجرة
أول موقع شبه مخصص للطيران المدني، استُخدم في المراحل المبكرة لتنظيم الهبوط والإقلاع بعيدًا عن الاستخدامات العسكرية البحتة.
• وادي سيدنا
شكّل مرحلة انتقالية أكثر تنظيمًا، خصوصًا مع تزايد الرحلات والاحتياج لمساحات ومدارج أفضل.
• مطار الخرطوم الحالي
أُنشئ في موقع كان في الأصل قاعدة جوية لسلاح الجو الملكي، ثم حُوّل تدريجيًا للاستخدام المدني. ومع هذا الانتقال، بدأ السودان في امتلاك مطار بمواصفات دولية، ليصبح الخرطوم مركز الحركة الجوية الوطنية والإقليمية.
1947: قيام أول شركة طيران سودانية
في عام 1947، تأسست أول شركة طيران سودانية بالشراكة مع البريطانيين عبر شركة إيرويرك (Airwork Ltd.)، لتشكّل النواة الأولى لـ سودانير.
بدأ الأسطول بطائرات de Havilland Dove، ثم de Havilland C-4، وصولًا إلى Vickers Viscount، ما أتاح توسيع الشبكة الداخلية والدولية وربط السودان بجواره الإقليمي.
الكوادر الوطنية وبناء السيادة الجوية
تزامن هذا التطور مع إعداد الكوادر السودانية في الطيران والملاحة والمراقبة الجوية والإدارة، عبر التدريب المحلي والبعثات الخارجية، لتتسلم لاحقًا قيادة القطاع مع اقتراب الاستقلال.
تحية الآباء المؤسسين ورواد المسيرة
تحية وفاء وإجلال إلى:
عبد المنعم مدحت – بابكر عباس النعمة – موسى بابكر بدري – الجاك حسن – عبد الباقي محمد – القائمقام يوسف الجاك طه،
وإلى من حملوا المشاعل من بعدهم:
السر حسن بشير – أحمد حسن كامل – حسن محمد العاص،
وإلى بقية الرهط الفريد الذين صنعوا الطيران المدني السوداني بصمت وانضباط وإخلاص.
خاتمة
من ثلاث رحلات فتحت السماء، إلى مطارات تتبدل وتتطور، إلى مؤسسة سيادية وناقل وطني، تشكّل الطيران المدني السوداني كأحد أوضح تجليات بناء الدولة الحديثة. ومع استشراف الذكرى السبعين للاستقلال، يبقى هذا التاريخ شاهدًا على أن السودان عرف طريقه إلى السماء مبكرًا، حين امتلك الرؤية، والرجال، والإرادة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى